سيد قطب
2010
في ظلال القرآن
الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ ، ولم تتحرك في فراغ كذلك ! إن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي . . ينشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت - في وجه الجاهلية - لإنشائه ؛ وتحددت أقدارها وتميزت مقاماتها في ثنايا تلك الحركة . إنه مجتمع جديد . . ومجتمع وليد . . ومجتمع متحرك دائما في طريقه لتحرير « الإنسان » ، . . كل الإنسان . . في « الأرض » . . كل الأرض . . من العبودية لغير اللّه ، ولرفع هذا الإنسان عن ذلة العبودية للطواغيت . . أيا كانت هذه الطواغيت . . ومثل قضية التزكية وطلب الإمارة ، واختيار الإمام ، واختيار أهل الشورى . . . وما إليها . . . قضايا كثيرة تثار ، ويطرقها الباحثون في الإسلام . . في الفراغ . . في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه . . بتركيبه العضوي المختلف تماما عن التركيب العضوي للمجتمع المسلم . . وبقيمة وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته المختلفة تماما عن قيم المجتمع المسلم وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته . . أعمال البنوك وأساسها الربوي . . شركات التأمين وقاعدتها الربوية . . تحديد النسل وما أدري ما ذا ؟ ! إلى آخر هذه « المشكلات » التي يشغل « الباحثون » بها أنفسهم أو يجيبون فيها عن استفتاءات توجه إليهم . . إنهم جميعا - مع الأسف - يبدءون من نقطة البدء في المتاهة ! يبدءون من افتراض أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه سيجاء بها لتطبق على هذه المجتمعات الجاهلية الحاضرة بتركيبها العضوي الحاضر ؛ فتنتقل هذه المجتمعات إذن - متى طبقت عليها أحكام الإسلام - إلى الإسلام ! وهي تصورات مضحكة لولا أنها محزنة ! إن الفقه الإسلامي بكل أحكامه ليس هو الذي أنشأ المجتمع المسلم . إنما المجتمع المسلم بحركته - في مواجهة الجاهلية ابتداء - ثم بحركته في مواجهة حاجة الحياة الحقيقية ثانيا ، هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي مستمدا من أصول الشريعة الكلية . . والعكس لا يمكن أن يكون أصلا ! إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ ، ولا يعيش في فراغ كذلك . . لا ينشأ في الأدمغة والأوراق ؛ إنما ينشأ في واقع الحياة . وليست أية حياة . إنما هي حياة المجتمع المسلم على وجه التحديد . . ومن ثم لا بد أن يوجد المجتمع المسلم أولا بتركيبه العضوي الطبيعي ؛ فيكون هو الوسط الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي ويطبق . . وعندئذ تختلف الأمور جدا . . وساعتها قد يحتاج ذلك المجتمع الخاص - بعد نشأته في مواجهة الجاهلية وتحركه في مواجهة الحياة - إلى البنوك وشركات التأمين وتحديد النسل . . . إلخ وقد لا يحتاج ! ذلك أننا لا نملك سلفا أن نقدر أصل حاجته ، ولا حجمها ، ولا شكلها ، حتى نشرّع لها سلفا ! كما أن ما لدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها . . ذلك أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية ولا يرضى ببقائها . ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها ولا بتلبيتها كذلك ! إن المحنة الحقيقية لهؤلاء الباحثين أنهم يتصورون أن هذا الواقع الجاهلي هو الأصل ، الذي يجب على دين اللّه أن يطابق نفسه عليه ! ولكن الأمر غير ذلك تماما . . إن دين اللّه هو الأصل الذي يجب على البشرية